عرض مشاركة مفردة
قديم 26-11-2017, 10:14 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

وإذ قد عرفت أنَّه لا حسد إلاَّ على نعمة فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان:
إحداهما: أن تكره تلك النعمة وتحبّ زوالها، وهذه الحالة تسمّى حسداً.
والثانية: أن لا تحبّ زوالها ولا تكره وجودها ودوامها
64
ولكنّك تشتهي لنفسك مثلها، وهذا يسمّى غبطة وقد يخصّ باسم المنافسة.
قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْــمُـتَنَافِسُونَ﴾56.
وقد تسمّى المنافسة حسداً، والحسد منافسة كقول عبدالله الفضل وقثم ابني العباس لعلي عليه السلام حين أشار عليهما بأن لا يذهبا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يسألانه الولاية على الصدقة، وقد كانا أرادا ذلك: ماذا منك إلاَّ منافسة، والله لقد زوّجك ابنته، فما نفسنا ذلك عليك57. وكقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : "لا حسد إلاَّ في اثنين: رجل أتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحقّ ورجل أتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلّمه الناس"58، والمحرّم من الحالتين هو الحالة الأولى وهي المخصوصة بالذمّ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : "المؤمن يغبط والمنافق يحسد"59. اللهم إلاَّ أن يكون النعمة قد أصابها فاجر يستعين بها على إيذاء الخلق وتهييج الفتنة وفساد الدين ونحو ذلك، فلا تضرّ الكراهة لها ومحبّة زوالها إذا لم يكن ذلك من حيث إنَّها نعمة، بل من حيث إنَّها آلة الفساد، ويدلّ على عدم تحريم الحالة الثانية الآية المتقدّمة والحديث.
65
وقد قال الله تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾60، والمسابقة إنما تكون عند خوف الفوت كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما ويخرج كلّ واحد منهما أن يسبق صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها، بل قد تكون المنافسة واجبة إذا كان المنافس فيه واجباً إذ لو لم يجب مثله كان راضياً بالمعصية المحرَّمة، وقد تكون مندوبة كالمنافسة في الفضائل المندوبة من انفاق الأموال ومكارم الأخلاق، وقد توصَفُ بالإباحة إذا كان مباحاً.
وبالجملة فهي تابعة للفعل المنافس فيه ولكن في المنافسة دقةٌ وخطر غامض يجب على طالب الخلاص التحرّز منه وهو أنَّه إذا آيَس عن أن ينال مثل تلك النعمة وهو يكره تخلّفه ونقصانه فلا محالة يُحبّ زوال النقصان وإنَّما يزول بأحد أمرين أن ينال مثله أو أن تزول نعمة المنافس، فإذا انسدّ أحد الطريقين عن الساعي يكاد القلب أن يشتهي الطريق الأخرى إذ بزوال النعمة يزول التخلّف المرغوب عنه فيمتحن نفسه.
فإن كان بحيث لو ألقي الأمر إليه ورُدّ إلى اختياره لسعى في إزالة النعمة فهو حسود حسداً مذموماً.
وإن كانت التقوى تمنعه عن إزالة ذلك عفي عمَّا يجده في طبعه من ارتياحه الى زوال النعمة من (متى) كان كارهاً لذلك من نفسه بعقله.
66
وإذ قد عرفت حقيقة الحسد، فاعلم أنَّ له مراتب أربع:
الأولى: أن يحبّ زوال النعمة عنه وإن كانت لا تنتقل اليه وهذا غاية الخبث وأعظم افراد الحسد.
الثانية: أن يحبّ زوال النعمة إليه لرغبته في تلك النعمة بحيث يكون مطلوبه تلك النعمة لا مجرّد زوالها عن صاحبها.
الثالثة: أن لا يشتهي عينها بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز عن مثلها يحبّ زوالها كي لا يظهر التفاوت بينهما.
وهذه الثلاثة محرَّمة وهي مترتّبة في القوة ترتّبها في اللفظ.
الرابعة: أن يشتهي لنفسه مثلها فإذا لم يحصل فلا يحبّ زوالها منه.
وهذا هو المحمود المخصوص باسم الغبطة، بل المندوب اليه في الدين ونسمّيه حسداً تجوّزاً.
الثاني: في الأسباب المثيرة للحسد وهي كثيرة جداً إلاَّ أنها ترجع إلى سبعة:
1 ـ العداوة، 2 ـ والتعزّز، 3 ـ والتكبّر، 4 ـ والتعجّب، 5 ـ والخوف من فوت المقاصد، 6 ـ وحبّ الرياسة، 7 ـ وخبث النفس وبُخلها.
فإنه إنَّما يكره النعمة عليه:
1 ـ إمَّا لأنه عدوّ فلا يريد له الخير، وهذا لا يختصّ بالأمثال.
67
2 ـ وإما لأنه يخاف أن يتكبّر بالنعمة عليه وهو لا يطيق احتمال كبره وعظمته لعزّة نفسه، وهو المراد بالتعزّز.
3 ـ وإمَّا يكون في طبعه أن يتكبّر على المحسود ويمتنع ذلك عليه بنعمته، وهو المراد بالتكبّر.
4 ـ وإما أن تكون النعمة عظيمة والمنصب كبيراً فيتعجّب من فوز مثله تلك النعمة،وهو التعجّب.
5 ـ وإما أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمته بأن يتوصّل به إلى مزاحمته في اغراضه.
6 ـ وإمَّا أن يكون يحبّ الرياسة التي تبتني على الاختصاص بنعمة لا تساوي فيها.
7 ـ وإمَّا أن لا يكون بسبب من هذه الأسباب بل بخبث النفس وشحّها بالخير لعباد الله.
وقد أشار الله سبحانه الى السبب الأول بقوله: ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾61.
وإلى الثانية بقوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرآنُ عَلَى رَجُلٍٍ ِّمِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾62.
أي كان لا يثقل علينا أن نتواضع له ونتّبعه إذا كان عظيماً.
وكانوا قد قالوا كيف يتقدَّم علينا غلام يتيمٌ وكيف نطأطئُ له رؤوسنا.
68
وإلى الرابعة بقوله: ﴿قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾63، ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾64، ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لــَّخَاسِرُونَ﴾65، فتعجّبوا من أن يفوز برتبة الرسالة والوحي والقرب من الله تعالى بشر مثلهم فحسدوهم وقالوا متعجبين: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً﴾66، فقال تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾67.
وأعظم الأسباب فساداً الخامس والسادس لتعلّقهما غالباً بعلماء السوء ونظرائهم. ومناط الخامس يرجع إلى متزاحمين على مطلوب واحد فإنّ كلاً منهما يحسد صاحبه في كلّ نعمة يكون عوناً له في الانفراد بمقصوده.
ومن هذا الباب تحاسد الضرّات في التزاحم على مقاصدالزوجية، والأخّوة في التزاحم على نيل المنزلة المطلوبة بها عند الأب، والتلامذة لاستاذ واحد في نيل المنزلة عنده، والعالمين المتزاحمين على طائفة من المحصورين إذ يطلب كلّ واحد منزلة في قلبهم للتوصّل بهم إلى أغراضه. ومرجع السادس إلى محبَّة الإنفراد بالرياسة والاختصاص بالثناء والفرح بما يمدح به من أنه واحد الدهر ولا نظير له، فإنّه
69
متى سمع بنظير له في أقصى العالم أساءه ذلك وأحبَّ موته أو زوال النعمة التي بها يشاركه في المنزلة.
وهذا زيادة على ما في قلوب آحاد العلماء من طلب الجاه والمنزلة في قلوب الناس للتوصّل إلى مقاصد سوى الرياسة.
وقد كان علماء اليهود يعلمون رسـالة رسـول الله صلى الله عليه وآله وسلم وينكرونها ولا يؤمنون به مخافة أن يبطل رياستهـم وأن يصيروا تابعين بعد أن كانوا متـبوعـين مهمـا نسـخ علمهـم. وقـد يجتمـع بعـض هـذه الأسبــاب أو أكثرهـا أو جميعهـا في شخص واحد فيعظـم فيـه داء الحسـد ويتمكَّن فـي قلبـه ويقــوى قــوَّة لا يقـــدر معـــه علــى الاخفـاء والمجـاملـة، بـل ينهتك حجاب المجاملة ويظهر العداوة بالمكاشفة ولا يكـاد يزول إلاَّ بالموت. وقلّ أن يتّفق بالحاسد سبب واحد من هذه الأسباب بل أكثر.
وأصل العداوة والحسد التزاحم على غرضٍ واحد، والغرض الواحد لا يجتمع فيـه متباعـدان بـل متناسـبان فلذلك ترى الحسد يكثر بين الأمثال والأقران والأخوة وبني العمّ والأقارب ويقلّ في غيرهم إلاَّ مع الاجتماع في أحد الأغراض المقرّرة، نعم من اشتدّ حرصه على الجاه وحبّ الصيت في جميع أطراف العالم بما هو فيه، فإنه يحسد كلّ من هو في العالم وان يعدّ ممَّن يساهمه في الخصلة التي يفاخر بها.
70
ومنشأ جميع ذلك حبّ الدنيا فإنَّ الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين.
أمَّا الآخرة فلا ضيق فيها وإنَّما مثلها مثل العلم، فإن من عرف الله تعالى وملائكته وأنبياءه وملكوت أرضه وسمائه لم يحسد غيره إذا عرف ذلك ايضاً لأنَّ المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعروف الواحد يعرفه ألف ألف عالم، ويفرح بمعرفته ويلتذّ به ولا ينقص لذَّة واحدة بسبب غيره بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس وثمرة الإفادة والاستفادة، فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة لأنَّ مقصدهم بحر واسع لا ضيق فيه، وغرضهم المنزلة عند الله ولا ضيق أيضاً فيه بل يزيد الأُنس بكثرتهم.
نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا لأنَّ المال أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنه يد الآخر، وكذلك الجاه إذ معناه ملك القلوب ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص منه لا محالة فيكون ذلك سبباً للمحاسدة.
وأمَّا العلم فلا نهاية له ولا يتصوّر استيعابه، فمن بذل جهده في تحصيله وأشغل نفسه في الفكرة في جلالة الله وعظمته صار ذلك ألذّ عنده من كلّ نعيم ولم يكن ممنوعاً منه ولا مزاحماً فيه فلا يكون في قلبه حسد لأحد من الخلق، لأنَّ غيره لو عرف أيضاً مثل معرفته لم ينقص لذّته بل زادت لذّته
71
بمؤانسته بل مثل العالمين بالحقيقة المتمسّكين بالطريقة كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾68.
فهذا حالهم في الدنيا، فماذا تظنّ عند انكشاف الغطاء ومشاهدة المحبوب في العقبى، فلا محاسدة في الجنَّة أيضاً، إذ لا مضايقة فيها ولا مزاحمة، فعليك أيّها الأخ وفَّقنا الله وإيَّاك، إن كنتَ بَصيراً وعلى نفسك مشفقاً، أن تطلب نعيماً لا زحمة فيه، ولذَّةً لا مكدّر لها، والله ولي التوفيق.
الثالث: في إشارة وجيزة إلى الدواء الذي ينفي مرض الحسد عن القلب:
إعلم أنَّ الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تُداوى أمراض القلب إلاَّ بالعلم والعمل، والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعلم يقيناً أنَّ الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين، ولا ضرر به على المحسود في الدنيا ولا في الدين، بل ينتفع به فيهما.
ومتى عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدوّ نفسك وصديق عدوّك فارقتَ الحسد لا محالة. أمَّا كونه ضرراً عليك في الدين فهو أنَّك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وكرهت نعمته التي قسمها لعباده وعدله الذي أقامه في ملكه لخفيّ حكمته واستنكرت ذلك واستَشْنَعْتَه.
72
وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الايمان، وناهيك بها جناية على الدّين، وقد انضاف إليه أنَّك غششت رجلاً من المؤمنين وتركت نصيحته وفارقت أولياء الله وأنبياءه في حبّهم للخير لعباد الله وشاركت إبليس وسائر الكفَّار في محبّتهم للمؤمنين البلاء وزوال النعم.
وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب وتمحوها كما يمحو الليل النهار.
وأمَّا كونه ضرراً عليك في الدُّنيا، فهو أنَّك تتألَّم بحسدك وتتعذَّب به ولا تزال في كدر وغمّ إذ أعداؤك لا يخليهم الله عن نِعَم يفيضها عليهم، فلا تزال تتعذَّب بكلّ نعمة تراها، وتتألَّم بكلّ بليَّة تنصرف عنهم، فتبقى مغموماً محروماً، منشعب القلب، ضيّق النفس، كما تشتهيه لأعدائك، وكما يشتهي أعداؤك لك، فقد كنت تريد المحنة لعدوّك فتنجَّزت في الحال محنتك وغمُّك نقداً ولا تزول النعمة عن المحسود بحسدك. ولو لم تكن تؤمن بالبعث والحساب لكان مقتضى الفطنة إن كنت عاقلاً أن تحذر من الحسد لما فيه من ألم القلب ومساءته وعدم النفع، فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة، فما أعجب من العاقل أن يتعرَّض لسخط الله من غير نفع يناله، بل مع ضرر يحتمله، وألم يقاسيه، فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة.
وأمَّا أنّه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه، فواضح لأنَّ
73
النعمة لاتزول عنه بحسدك، بل ما قدّره الله تعالى من إقبال ونعمة فلا بدَّ وأن يدوم الى أجل قدّره الله تعالى، فلا حيلة في رفعه وإن كانت النعمة قد حصلت بسعيه من علم أو عمل فلا حيلة في دفعه أيضاً، بل ينبغي أن تلوم أنت نفسك حيث يسعى وقعدت، وشمَّر وكسلت، وسهر ونمت وكان حالك كما قيل:
هلاَّ سعوا سعي الكرام فأدركوا أو ســلَّمــــوا لمـــواقــــع الأقـــــــــدار
ومهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود من ضرر في الدنيا ولا كان عليه إثمٌ في الآخرة، ولعلَّك تقول: ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي.
وهذا غاية الجهل والغباوة، فإنَّه بلاءٌ تشتهيه أوَّلاً لنفسك، فإنَّك لا تخلو أيضاً من عدوّ يحسدك فلو كانت النعم تزول بالحسد لم يُبقِ الله عليك نعمة ولا على الخلق نعمة حتى نعمة الإيمان لأنَّ الكفَّار يحسدون المؤمنين عليه، قال الله تعالى: ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾69.
وإن اشتهيت أن تزول نعمة الغير عنه بحسدك ولا تزول عنك بحسد الغير، فهذا غاية الجهل والغباوة، فإنَّ كلَّ واحدٍ من حمقاء الحسَّاد أيضاً يشتهي أن يخصّ بهذه الخاصة
74
ولست بأولى من غيرك، فنعمة الله عليك في آنٍ لم تزل نعمة عليك بحسد غيرك من النعم التي يجب عليك شكرها وأنت بجهلك تكرهها.
وأمَّا أنَّ المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح.
وأمَّا منفعته في الدين فهو أنَّه مظلوم من جهتك لا سيَّما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك سرّه وذكر مساوئه، فهي هدايا تهديها إليه، فإنَّك تهدي إليه حسناتك حتى تلقاه يوم القيامة مُفلساً محروماً عن النعمة كما خرجت في الدنيا محروماً عن النعمة، فكأنَّك أردت زوال النعمة عنه فلم يزل نعمه وكان عليك نقمة إذ وفَّقك الله للحسنات فنقلتها إليه فأضفت له نعمة إلى نعمة وأضفت إلى نفسك شقاوة إلى شقاوة.
وأمَّا منفعته في الدُّنيا فهو أنَّ أهمَّ أغراض الخلق مساءة الأعداء، وغمّهم وشقاوتهم وكونهم معذّبين مغمومين فلا عذاب أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد، وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة وأن تكون في غمّ وحسرة بسببهم وقد فعلت في نفسك ما هو مرادهم.
وقد قال علي عليه السلام : "لا راحة للحسود"70.
وقال عليه السلام : "الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له"71.
75
وقد عرفت من تضاعيف هذه المباحث وجه الكلمتين، ومن أجل ذلك ينبغي أن لا تشتهي أعداؤك موتك، بل تشتهي أن تطول حياتك في عذاب الحسد لتنظر إلى نعمة الله تعالى عليهم فينقطع قلبك حسداً، ولذلك قيل:
لا مات أعـداؤُكَ بل خلّـدوا حتَّى يَروْا منكَ الَّذِي يَكْمـدُ
لا زلتَ محسوداً على نِعْمَةٍ فـإنَّمــا الكـامـلَ مـن يُحْسَــدُ
ففرح عدوّك بغمّك وحسدك أعظم من فرحه بنعمته.
فإذا تأمَّلت هذا عرفت أنَّك عدوّ نفسك، وصديق عدوّك، إذ تعاطيت مع ما تضررّت به في الدنيا والآخرة، وانتفع به عدوّك في الدنيا والآخرة، وصرتَ شقيّاً عند الخلق والخالق، مذموماً في الحال والمآل.
ثمَّ لم تقتصر على تحصيل مراد عدوّك حتى أدخلت أعظم السرور على إبليس الذي هو من أعدى أعدائك لأنَّك لم تحبّ ما أحبّه أهل الخير لأنفسهم، فتكون معهم لأنَّ المرء مع من أحبّ فأحبّك إبليس لذلك فكنت معه.
وقد تضافرت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ المرء مع من أحب72، وأنَّك وإن لم تكن عالماً ولا متعلِّماً فكن محبَّاً، فقد فاتك بحسدك ثواب الحبّ واللحاق بهم، وعساك تحاسد رجلاً من أهل العلم وتحبّ أن يخطىء في دين الله وينكشف
76
خطؤه ليفتضح وتحبّ أن يعرض له ما يمنعه عن العلم والتعليم، وأيّ إثم يزيد على هذا فليتك إذا فاتك اللحاق بهم ثم اغتممت به فاتك الإثم وعذاب الآخرة. وقد جاء في الأحاديث أنَّ أهل الجَّنة ثلاثة: المُحسن والمحبّ له والكافّ عنه73، أي من يكفّ عنه الأذى والحسد والبغض. فانظر كيف أبعدكَ إبليس عن المداخل الثلاثة، فقد نفذ عليك حسد إبليس وما نفذ حسدك على عدوّك بل على نفسك، فلو انكشفت حالك لك في يقظة أو منام لرأيت نفسك أيها الحاسد في صورة من يرمي عدوّه بحجارة ليصيب بها مقلته فلا يصيبه بل يرجع حجره على حدقته اليمنى فيعميها فيزداد غضبه ثانياً فيعود الى الرمي أشدّ من الأول فيرجع على عينه الأخرى فيعميها فيزداد غضبه فيعود ثالثة فيرجع على رأسه فيشجّه وعدوّه سالم على كلّ حال، وأعداؤه حوله يفرحون بما أصابه ويضحكون منه.
فهذه حال الحسود، لا بل حاله أقبح، لأنّ الحجر المفوّت للعين إنَّما يفوّت ما لو بقي لفات بالموت لامحالة بخلاف الإثم الحاصل للحسود فإنَّه لا يفوت بالموت، بل يسوقه إلى غضب الله وإلى النار، فلئن تذهب عينه في الدنيا خير من أن تبقى له عين يدخل بها النار فيعميها لهيب النار، فانظر كيف انتقام
77
الله تعالى من الحاسد إذا أراد زوال النعمة عن المحسود، فأزالها عن نفسه إذ السلامة من الإثم نعمة، ومن الغمّ نعمة أخرى، وقد زالتا منه تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الـْمَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ﴾74.
وربما يبتلى بعين ما يشتهيه لعدوّه إذ قلَّ ما شمت شامت بمساءة أحد إلاَّ وابتلى بمثلها، فهذه هي الأدوية العلمية، فمهما تفكَّر الانسان فيها بذهنٍ صافٍ وقلبٍ حاضرٍ انطفأ من قلبه نار الحسد، وعلم أنَّه مُهلكٌ نفسه، ومفرّح عدوّه، ومسخط ربّه، ومنغّص عيشه.
وأما الدواء العملي فبعد أن يتدبّر ما تقدَّم ينبغي أن يكلّف نفسه نقيض ما يبعثه الحسد عليه، فيمدح المحسود عند بعثه على القدح ويتواضع له عند بعثه على التكبّر ويزيد في الإنعام عند بعثه على كفّه فينتج هذه المقدّمات تمام الموافقة وتنقطع مادَّة الحسد ويستريح القلب من ألمه وغمّه. فهذه أدوية نافعة جدَّاً إلاَّ أنها مرَّة جداً، لكن النفع في الدواء المرّ، ومن لم يصبر على مرارة الدواء لم يظفر بحلاوة الشفاء.
والباعث على هذه الخصال الحميدة، الرغبة في ثواب الله تعالى، والخوف من عقابه، وفَّقنا الله وإياكم لاستعماله بمحمد وآله صلَّى الله عليهم أجمعين.
78
هوامش
1- إحياء علوم الدين، ج3، ص051.
2- القلم:11.
3- القلم:31.
4- الهمزة، رقم1.
5- التحريم:01.
6- الترغيب والترهيب، ج3، ص694.
7- العوالي، ج1، ص662، ح85.
8- العوالي، ج1، ص001، ح12 وإحياء علوم الدين، ج3، ص641.
9- إحياء علوم الدين، ج3، ص641، وانظر الخصال، ج1، ص68.
10- إحياء علوم الدين، ج3، ص741.
11- إحياء علوم الدين، ج3، ص741.
12- إحياء علوم الدين، ج3، ص741.
13- الكافي، ج2، ص963.
14- الكافي، ج2، ص963.
15- انظر إحياء علوم الدين، ج3، ص741.
16- إحياء علوم الدين، ج3، ص741.
17- الحجرات:6.
18- لقمان:71.
19- الحجرات:21.
20- الحجرات:21.
21- إحياء علوم الدين، ج3، ص841، وانظر الاختصاص، ص241.
22- الحجرات:6.
23- القلم:11.
24- إحياء علوم الدين، ج3، ص841.
25- إحياء علوم الدين، ج3، ص841.
26- إحياء علوم الدين، ج3، ص841.
27- إحياء علوم الدين، ج3، ص841.
28- البقرة:72.
29- الشورى:24.
30- إحياء علوم الدين، ج3، ص841.
31- إحياء علوم الدين، ج3، ص841.
32- إحياء علوم الدين، ج3، ص941.
33- إحياء علوم الدين، ج3، 941.
34- الخصال، ج1، ص83، ح81، وإحياء علوم الدين، ج3، ص941.
35- إحياء علوم الدين، ج3، ص051.
36- إحياء علوم الدين، ج3، ص051.
37- إحياء علوم الدين، ج3، ص051.
38- إحياء علوم الدين، ج3، ص051.
39- الخصال، ج1، ص73، ح61.
40- عقاب الأعمال، ص713، ح3.
41- عقاب الأعمال، ص713، ح4.
42- عقاب الأعمال، ص713، ح5.
43- انظر نهج البلاغة، ص725، حكمة 592.
44- إحياء علوم الدين، ج3، ص051.
45- إحياء علوم الدين، ج3، ص151.
46- الفلق:5.
47- تنبيه الخواطر، ج1، ص621، وانظر جامع الأخبار، ص681.
48- تنبيه الخواطر، ج1، ص721.
49- إحياء علوم الدين، ج3، ص771، وتنبيه الخواطر، ج1، ص721.
50- انظر عدَّة الداعي، ص822.
51- مصباح الشريعة، ص401.
52- تنبيه الخواطر، ج1، ص621.
53- جامع الأخبار، ص681.
54- غرر الحكم، ص525 "لا راحة لحسود".
55- إحياء علوم الدين، ج3، ص871.
56- المطففين:62.
57- إحياء علوم الدين، ج3، ص081.
58- إحياء علوم الدين، ج3، ص081.
59- إحياء علوم الدين، ج3، ص971.
60- الحديد:12.
61- آل عمران:811.
62- الزخرف:13.
63- يس:51.
64- المؤمنين:74.
65- المؤمنين:43.
66- الاسراء:49.
67- الأعراف:36.
68- الحجر:74.
69- آل عمران:96.
70- غرر الحكم، ص525.
71- جامع الأخبار، ص681.
72- إحياء علوم الدين، ج3، ص681.
73- إحياء علوم الدين، ج3، ص781.
74- فاطر:34.
يتبع

الرد مع إقتباس